صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

199

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الكسوة توضع فوق بعضها البعض ، فلما احترقت وهنت جدران الكعبة من كل جانب وتصدعت ، ومما زاد الطين بلة أنه أعقب ذلك الحريق سيل جارف غمر الكعبة حتى دخل في جوفها ، فجزعت قريش لذلك جزعا شديدا ، وخافوا أن تنهدم ، وخشوا إن قاموا بهدمها وبنائها أن ينزل عليهم العذاب ، وأخذوا ينظرون ويتشاورون في أمر البيت العتيق « 1 » . خطة البناء والتنفيذ : واستقر رأيهم أخيرا على إعادة بناء الكعبة ، وسمعوا أن سفينة رومية تحطمت قرب الشعيبة ، ميناء مكة القديم ، فركب الوليد بن المغيرة ومعه نفر من زعماء قريش واشتروا خشبها لاستخدامه في سقف الكعبة ، واستعانوا بنجار رومي يسمى باقوم « وتعاونوا وترافدوا في النفقة ، واختلفوا في بنيان مقدّم البيت ، فقال أبو أمية بن المغيرة : يا معشر قريش لا تنافسوا ولا تباغضوا فيطمع فيكم غيركم ، ولكن جزّئوا البيت أربعة أجزاء ، ثم ربّعوا القبائل فلتكن أرباعا ، ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة على جوانبها ، فطار قدح بني عبد مناف وبني زهرة على الوجه الذي فيه الباب وهو الشرقي ، وقدح بني عبد الدار ، وبني أسد بن عبد العزى ، وبني عديّ على الشق الذي يلي الحجر وهو الشق الشامي . وطار قدح بني سهم ، وبني جمح ، وبني عامر بن لؤي على ظهر الكعبة وهو الشق الغربي . وطار قدح بني تيم وبني مخزوم وقبائل من قريش ضمّوا معهم على الشق اليماني الذي يلي الصفا وأجياد . وأمروا بالحجارة أن تجمع بين أجياد والضواحي ، فكانت قريش تنقل بأنفسها الحجارة تبرّرا وتبركا بالكعبة » « 2 » وقد شارك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قومه في نقل الحجارة ، وكان عمره حينذاك خمسا وثلاثين سنة « 3 » . ولما أجمعت قريش على هدم الكعبة ، أخرجوا ما كان بها من مال وحلية ، وجعلوه عند أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي ، وأخرجوا كبير الأصنام هبل ، ونصبوه عند المقام . ولما أرادوا الشروع في الهدم ظهرت لهم حية كانت داخل الكعبة وكشّت « 4 » وفتحت فاها ، فهابوها ، فقال لهم الوليد بن المغيرة : « يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح ؟ قالوا : بلى . قال : فإن اللّه لا يهلك المصلحين ، ولكن لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلّا من طيّب أموالكم ، ولا تدخلوا فيه مالا من ربا ، ولا من مال ميسر ، ولا مهر بغيّ ، ولا مظلمة أحد من الناس ، وجنبوه الخبيث من أموالكم ، فإن اللّه لا يقبل إلّا طيبا » ، ففعلوا ، ثم وقفوا عند المقام ودعوا اللّه أن يذهب عنهم تلك الحية ، فأقبل طائر كبير فاختطفها وألقى بها في أجياد ، فاعتبروا ذلك دليلا على رضا اللّه عن عملهم « 5 » . تقدم الوليد بن المغيرة بمعول في يده وبدأ في الهدم بمفرده دون أن يشاركه أحد من قريش خوفا من أن ينزل به العذاب إذا أمسى ، ولما أصبح سليما اشتركوا معه في هدم البيت حتى بلغوا حجارة خضرا لا يطيق تحريك الحجر

--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 3 / 516 ، 7 / 180 ، ابن هشام : السيرة 1 / 117 ، ابن فهد - إتحاف الورى 1 / 144 - 145 . ( 2 ) ابن فهد : إتحاف الورى 1 / 146 - 147 ، انظر أيضا : الأزرقي - أخبار مكة 1 / 160 - 161 ، المسعودي - مروج الذهب 2 / 280 . ( 3 ) ابن هشام : السيرة النبوية 1 / 117 ، ابن كثير : البداية والنهاية 2 / 298 ، ابن الجوزي - المنتظم 2 / 328 . ( 4 ) كشّت أي ضربت باحتكاك جلد بعضها ببعض . ( 5 ) الأزرقي - أخبار مكة 1 / 161 - 162 ، ابن فهد - إتحاف الورى 1 / 149 - 150 ، باسلامة - تاريخ الكعبة المعظمة ص / 61 - 62 ، والسيرة النبوية لابن هشام 1 / 22 .